حبيب الله الهاشمي الخوئي
51
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
درجة إلى درجة عليا ، فمهما لم يتحصّل للانسان فطنة بصيرة وقّادة لا يتبيّن له الحكمة ولا يقدر أن يقدر الموازين الصحيحة للحقائق والدلالة على حصول هذه الدرجة هو العبرة والتأثر عن أحوال الماضين ، فقوّة الايمان وضعفه يدور مدار قوّة العقل وضعفه ، فقد ورد في باب العقل والجهل أخبار كثيرة في ذلك نذكر شطرا منها : 1 - سيف بن عميرة عن إسحاق بن عمار قال : قال أبو عبد الله عليه السّلام : من كان عاقلا كان له دين ، ومن كان له دين دخل الجنّة . 2 - عن محمّد بن سليمان الديلمي ، عن أبيه قال : قلت لأبي عبد الله عليه السّلام : فلان من عبادته ودينه وفضله كذا ، فقال : كيف عقله قلت : لا أدرى ، فقال : إنّ الثواب على قدر العقل ، إنّ رجلا من بني إسرائيل كان يعبد الله في جزيرة من جزائر البحر خضراء نضرة كثيرة الشجر ظاهرة الماء ، وأنّ ملكا من الملائكة مرّ به فقال : يا ربّ أرني ثواب عبدك هذا ، فأراه الله ذلك فاستقلَّه الملك ، فأوحى الله إليه أن اصحبه ، فأتاه الملك في صورة إنسيّ فقال له : من أنت قال : أنا رجل عابد بلغني مكانك وعبادتك في هذا المكان فأتيتك لأعبد الله معك ، فكان معه يومه ذلك فلما أصبح قال له الملك : إنّ مكانك لنزه وما يصلح إلَّا للعبادة ، فقال له العابد : لمكاننا هذا عيب ، فقال له : وما هو قال : ليس لربنا بهيمة فلو كان له حمار لرعيناه في هذا الموضع فانّ هذا الحشيش يضيع ، فقال له الملك : ليس لربك حمار ، فقال : لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا الحشيش ، فأوحى الله إلى الملك إنما أثيبه على قدر عقله . كما أنّ العدل يحتاج إلى فهم القوانين الصحيحة والإحاطة بحقائقها مقرونا بحسن إجرائها والدّفة في تطبيقها على مواردها ، فلا بدّ من فهم غوّاص وعلم غوار للحقائق واحكام قضائية زاهرة صريحة ، وحلم ثابت في مقام إجرائها بين الخليقة ، وقد أشار عليه السّلام إلى شخصية قاض عادل وحاكم ربانىّ بأنه لا يقصّر في أموره ويعيش بين النّاس محمود الخصائل والفضائل ، ونذكر هنا أخبارا في